سفيان الثوري
4
تفسير الثوري
الأخلاق العالية وضوابط السياسة والتمدن المحكمة ، ومنطويا على قصص الأمم الماضية ، وهاديا إلى الفكر الصحيح في المبدأ والمعاد . فكان لا بد من أن توجد فيه مواضع لم تكد تصل إلى فهمها عقول تلك الأمة الجديدة النشأة . فهل اجترأوا رضي الله عنهم ، على أن يقولوا فيها بآرائهم ؟ لا ، والله ! بل سألوا عنها رسولا قد أمره الله أن ( لا تحرك به لسانك لتعجيل به . إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه ، فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه ) ( 1 ) . فتارة فسر الله ما أشكل عليهم بالوحي كما في آية " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " بلفظ " من الفجر " ( 2 ) وأخرى شرح النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إشكال الآية ، إما بآية أخرى نزلت من قبل كما فعل في ( ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) بآية ( إن الشرك لظلم عظيم ) ( 3 ) . أو بألفاظه الطاهرة التي نحن نعتقد أنها تقوم مقام الوحي الخفي إذا صحت نسبتها إليه . فحفظت الصحابة ، رضي الله عنهم ، كل ما قال الله ورسوله في تفسير القرآن العزيز ورووه لتابعيهم بالاحسان ( 4 ) . لكنهم لم يدونوا تلك الروايات في الكتب والصحائف ، أولا لان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد قال : " لا تكتبوا عني . ومن كتب عني غير القرآن فليمحه " ( 5 ) ، وثانيا لان الصحابة لخلوص عقيدتهم ببركة صحبة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقرب العهد إليه ، ولقلة الاختلاف والواقعات وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات ، كانوا مستغنين عن تدوين علم الشرائع ، والاحكام ، حتى أن بعضهم كره كتابة العلم " ( 6 ) . عهد التابعين فلما انقضي عصر الصحابة أو كاد ، وصار الامر إلى تابعيهم ، " انتشر الاسلام ، واتسعت الأمصار ، وتفرقت الصحابة في الأقطار ، وحدثت الفتن ، واختلاف الآراء ، وكثرت الفتاوى ، والرجوع إلى الكبراء ، فأخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن " ( 6 ) .
--> ( 1 ) القيامة 16 - 19 . ( 2 ) البقرة 5 . ( 3 ) الانعام 13 . ( 4 ) مفتاح السعادة 2 / 404 - 405 . ( 5 ) صحيح مسلم 2 / 538 ، طبعة مصر 1323 ه . ( 6 ) الحاج خليفة 1 / 33 .